الشنقيطي
116
أضواء البيان
ومعنى الآية الكريمة ، أن الله لما بين حقارة الدنيا ، وعظم شأن الآخرة في قوله : * ( وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ) * . أتبع ذلك ببيان شدة حقارتها ، وأنه جعلها مشتركة ، بين المؤمنين ، والكافرين وجعل ما في الآخرة من النعيم خاصاً بالمؤمنين ، دون الكافرين وبين حكمته في اشتراك المؤمن مع الكافر ، في نعيم الدنيا بقوله : * ( وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً ) * أي لولا كراهتنا لكون جميع الناس أمة واحدة ، متفقة على الكفر ، لأعطينا زخارف الدنيا كلها للكفار . ولكننا لعلمنا ، بشدة ميل القلوب إلى زهرة الحياة الدنيا ، وحبها لها لو أعطينا ذلك كله للكفار ، لحملت الرغبة في الدنيا جميع الناس على أن يكونوا كفاراً ، فجعلنا في كل من الكافرين والمؤمنين غنياً وفقيراً ، وأشركنا بينهم في الحياة الدنيا . ثم بين جل وعلا اختصاص نعيم الآخرة بالمؤمنين في قوله : * ( وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَواةِ الدُّنْيَا وَالاٌّ خِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ ) * . أي خالصة لهم دون غيرهم . وهذا المعنى جاء موضحاً في غير هذا الموضع ، كقوله تعالى في الأعراف : * ( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِى أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِى لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِى الْحَيَواةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) * . فقوله : * ( قُلْ هِى لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِى الْحَيَواةِ الدُّنْيَا ) * أي مشتركة بينهم في الحياة الدنيا ، خالصة يوم القيامة . أي خاصة بهم ، دون الكفار ، يوم القيامة . إذ لا نصيب للكفار البتة في طيبات الآخرة . فقوله في آية الأعراف هذه * ( قُلْ هِى لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِى الْحَيَواةِ الدُّنْيَا ) * صريح في اشتراك المؤمنين مع الكفار في متاع الحياة الدنيا . وذلك الاشتراك المذكور ، دل عليه حرف الامتناع ، للوجود الذي هو لولا ، في قوله هنا * ( وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً ) * . وخصوص طيبات الآخرة ، بالمؤمنين المنصوص عليه في آية الأعراف بقوله * ( خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) * هو الذي أوضحه تعالى في آية الزخرف هذه بقوله * ( وَالاٌّ خِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ ) * .